إهداءات بحور الأحساس




● ● { المصطفى رسول الرحمة وصحابته•«|| يختص بسيرة الرسول عليه السلام وصحابته

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 04-01-2019, 07:55 PM
ياسمين غير متواجد حالياً
    Female
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 210
 تاريخ التسجيل : Dec 2017
 فترة الأقامة : 487 يوم
 أخر زيارة : 04-04-2019 (08:33 PM)
 المشاركات : 8,000 [ + ]
 التقييم : 544
 معدل التقييم : ياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of light
بيانات اضافيه [ + ]
rt4 صحابيات - سودة بنت زمعة



صحابيات - سودة بنت زمعة

سودة بنت زمعة هي إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام من هي السيدة سودة ماهي قصتها؟ سأتناول قصتها من البداية ففيها من الدروس الحكيمة والعبر المفيدة الشيء الكثير، كانت سودة بنت زمعة وزوجها السكران بن عمر وبصحبتهما ابنهما عبد الله بن السكران بين هؤلاء النفر القادمين من الحبشة على قوارب صغيرة تعبر لجّة البحر الأحمر وتقتحم أخطاره، لم تنتهي الرحلة الطويلة التي بدأها أولئك المسافرون من شواطئ الحبشة والتي استغرقت أيامًا وليالي في عرض البحر وحلكة ليله المخيفة إلى أن وصلوا إلى جدّة، إذ ما زالت أمامهم مسافةٌ طويلةٌ عليهم أن يقطعوها مشيًا على أقدامهم ليصلوا إلى أرض الوطن مكّة الحبيبة، ورغم حرارة الشمس وقلّة الزاد من الطعام والماء فإنّ هؤلاء النفر كانوا يغذّون السير وكأنهم لا يعبؤون بكل ما يلاقونه من متاعب السفر ومشقّاته، تصوّر السكران ابن عمر نفسه عندما يصل إلى مكّة وهو يهرع إلى بيت الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ويلقي بنفسه في أعتاب الحبيب فقد طال النوى وبلغ الشوق المدى وعطشت الروح وجفّ الفؤاد من البعاد، في الوقت نفسه كانت زوجته سودة أيضًا تمنّي نفسها بلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلكم اشتاقت روحها ونفسها وقلبها وعقلها لرؤيته ولسماع توجيهاته النبوية الرشيدة. سنواتٌ طويلة غابها السكران وزوجته وأصحابهما عن مكّة، ماذا كان يفعل السكران وزوجته في الحبشة؟ هل ذهبا هناك للسياحة، لرؤية الآثار والمتاحف، للاستجمام والتنزّه على غرار مايفعله كثيرٌ من إخوتنا وأبنائنا في بلاد العالم اليوم؟ أبدًا، لقد كانا من أولئك الذين فرّوا بدينهم من الاضّطهاد والعَنَتْ ورأوا أن سلامة الدين والعقيدة والنجاة بهما أمرٌ يستحقّ التعب والنصب وقطع الصحارى والبحار، يستحقّ أيضًا الغربة والمجازفة بالصحة والحياة. كان هذا قبل خمس سنواتٍ تقريبًا من عودتهما بالقوارب التي ذكرناها وبالتحديد في السنة الخامسة من بعثة النبي عليه الصلاة والسلام عندما اشتدّ إيذاء قريشٍ على المسلمين، فنصحهم النبي عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى بلاد الله الواسعة ووجّههم نحو بلدٍ يأمنون فيه على أنفسهم ودينهم فقال لهم: «اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد» وهاجر المسلمون المضطهدون إلى الحبشة تركوا أموالهم وديارهم وأحبابهم وكلّ ما يملكونه فرارًا بدينهم إلى الله تعالى، بلغ عدد المهاجرين إلى الحبشة في رحلة الهجرة الأولى ثمانون رجلًا غير النساء والأطفال، كم هو مؤلمٌ أن نرى اليوم من يتخلّى عن دينه مقابل لاشيء أو مقابل عرض من عروض الدنيا وكل عرضٍ من الدنيا زائلٌ فإنٍ قلّ أم كَثر، رحم الله أحمد شوقي حين قال: إذا الإيمان ضاع فلا أمانٌ *** ولا دنيا لمن لم يُحيي دينه نعود إلى الحبشة وإلى ركب المهاجرين القافلين منها إلى ديارهم رغم أنّهم وجدوا في الحبشة الرعاية والعناية من ملكها النجاشي ورغم حريّة التديّن والاعتقاد التي تمتعوا بها هناك إلا أن قلوبهم لم تفتأ تشتاق وتحنّ إلى أرض الوطن التي تضمّ خير من على وجه الأرض محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، لذلك ما إن بلغ مسمع هؤلاء المهاجرين خبرًا عن دخول قريش عن بكرة أبيها في الإسلام حتى بادر بعضهم بالرجوع إلى مكّة قبل أن يتأكدوا من صحة ذلك الخبر وكان من بين العائدين السكران ابن عمر وزوجته سودة وابنهما عبد الله، كانت سودة وزوجها يستبقان الخطى ويستعجلان اللقاء، فهما في شوقٍ إلى النبي الكريم كان لسان الحال ولسان القال يهتف ورسولاه وفرحتاه عمّا قليل سنلقى الأحبة محمّدًا وصحبه. لاحت مشارف مكّة من بعيد وصاح القوم: الله أكبر الله أكبر، لكن فرحتهم لم تدُم فسرعان ما اكتشفوا زيف المعلومات التي وصلتهم عن إسلام قريش وتأكدوا من أن قريشًا ماتزال على عهدهم بها من الفر والضلال والكيد للإسلام والمسلمين، وما يزال المسلمون في مكة يؤذَون ويضطهدون ويفتنون عن دينهم، فما العمل إذن وكيف سيدخلونها؟ بعضهم احتمى ببعض سادات مكة ودخل في جوارهم كعثمان ابن مظعون الذي دخل تحت جوار الوليد بن المغيرة وكأبي سلمة وزوجته الذين دخلا تحت جوار أبي طالب، لكن السكران ابن عمر وزوجته لم يستطيعا أن يجدا أحدًا يدخلهما تحت جواره فدخلا مكة تحت جوار الله عزّ وجلّ مستعينين به متوكّلين عليه وكفى بالله جارًا ووكيلًا، هو نعم المولى ونعم النصير. بدأت قريش مجددًا تكِلُ لهؤلاء المسلمين كلّ ما تستطيعه من أذى وتستخدم كل ما تملكه من وسائل الفتنة، صبرت سودة على الأذى كما صبر زوجها السكران وابنهما عبد الله فاستحقّوا بذلك أن يكونوا عائلة مؤمنة نذرت نفسها لله تعالى ورضوانه، صبرت لنيل هذا الرضوان أشدّ الصبر وأيضًا استحقّوا أن يكونوا من السابقين الأولين إلى الإسلام، لكن جسد السكران الواهن الذي بدأ يخطو على أعتاب سنّ الشيخوخة لم يحتمل ما لاقاه في ذلك السفر الطويل المضني من الحبشة إلى مكّة لم يحتمل المزيد من الأذى والإساءة فبدأت العلل والأمراض تتناوشه من كل جانب فسقط طريح الفراش، وما هي إلا مدةٌ وجيزة من عودة العائلة المؤمنة إلى مكّة حتّى امتدت يد المنية لتنقل ربّ العائلة السكران بن عمر إلى جوار ربّه. مات السكران وترك زوجته سودة وحيدةً هي وابنها الفتي يواجهان وحدهما قوى الكفر والاستكبار وطواغيت ذلك الزمان، بالمناسبة كل عصر فيه طواغيت وفراعنة وكما قال الشاعر: كلّ عصرٍ فيه فرعون وموسى *** وأبو جهلٍ في الورى ومحمّدٌ رغم شدة المصيبة وفداحتها بالنسبة لسودة التي فقدت الزوج الحبيب والسند المعين والملجأ القوي في ظل الظروف العصيبة التي تمرّ بها في مواجهة الفتن والمحن وخصوصًا أن أباها وأخاها مازالا على الشرك ودعوى الجاهلية، مع هذا كله نجدها مستسلمةً لأمر الله تعالى راضيةً بقضائه فهي تعلم حقّ العلم أنه سند من لا سند له وملجأ من لا ملجأ له وحبيب من لا حبيب له وله الأمر من قبل ومن بعد فما أجمل أن تُكل أمرها وأمر ابنها إليه. السؤال هنا هل ضيعها الله تعالى هل نسي الله تعالى عبدته المتوكلة عليه الراضية المتوكلة سودة؟ من المؤكد أنه لم ينسها ولم يضيعها، حاشا لله أن ينسى عباده الصالحين بل آجرها في مصيبتها وعوضها خيرًا منها. كيف عوضها الله خيرًا؟ سؤالٌ جميل وأجمل منه ما جرى مع سودة بنت زمعة فها هي ذي الصحابية الجليلة خولة بنت حكيم زوجة الصحابي الجليل عثمان ابن مظعون تطرق عليها الباب خاطبةً راغبة لخير البشر محمّد صلى الله عليه وسلم، كان هذا بعد وفاة أم المؤمنين خديجة بمدّة كابد فيها عليه الصلاة والسلام ما كابد من حزنٍ على فراق الحبيبة الراحلة خديجة وأيضًا كابد الجهد في العناية ببناته ورعايتهم. كان الصحابة الكرام يرقبون نبيهم الغالي ويشفقون عليه من الوحدة والتعب والحزن ويودّون لو يتزوج لعله يجد في زواجه ما يؤنس وحدته ويكون عونًا له على تدبّر أمور بناته ومتطلّبات البيت، لكن هيبته عليه الصلاة والسلام كانت تمنعهم من مفاتحته بهذا الأمر إلا أن تشجّعت خولة بنت حكيم وقالت له: "ألا تتزوج يا رسول الله؟" قال عليه الصلاة والسلام: «من يا خولة؟» قالت: "إن شئت بكرًا وإن شئت ثيّبًا". قال: «فمن البكر؟» قالت: "ابنة أحبُّ خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر"، قال: «ومن الثيّب؟» قالت: "سودة بنت زمعة"، قالت: -تتابع خولة- "قد آمنت بكَ واتّبعتك على ما أنت عليه" قال: «فاذهبي فاذكريني عليهما»، مرّت خولة أولًا ببيت أبي بكر وخطبت عائشة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولكن عائشة كانت ماتزال صغيرة السنّ آنذاك وعلينا أن ننتظر سنوات أخرى حتى تصبح عائشة فتيّة وتزفّ إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام كزوجة، ثمّ ذهبت خولة إلى سودة ولمّا أخبرتها قالت سودة بصوتٍ فرِحٍ مرتجف: "وددت يا خولة وددتُ/ ادخلي على أبي فاذكري له ذلك". طبعًا وددتُ يا خولة وهل من طلبٍ في الدنيا أروع من أن يخطبها النبي عليه الصلاة والسلام، لكنّ المشكلة ليست عندها فهناك أبوها، أبوها رجلٌ كبير السنّ مايزال مشركًا، فهل يرضى هذا الأب أن يزوّج ابنته لرجلٍ يراه صابئًا فتن الناس عن آلهتهم وسفّهَ عقولهم وأفكارهم، ستجرب خولة لابأس بالتجربة، لمّا أخبرته خولة بالأمر سُرّ الأب وقال: "كُفءٌ كريم"، تصوروا حتى خصوم النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يشهدون له بأنه كفءٌ كريم. إذن وافقت سودة على الخطوبة والخاطب ووافق أبوها وتمّ الزواج على صداقٍ قدره أربعمئة درهمٍ فضّة، لا تَسَلْ عن فرحة سودة بتلك الخطبة ولربما تدحرجت دموع الفرح على وجنيتها وقفزت إلى مخيلتها رؤيا رأتها منذ أن عادت من الحبشة إلى مكّة، كان زوجها السكران آنذاك مايزال على قيد الحياة، رأت سودة في المنام كأن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل يمشي حتى وطئ على عُنقها، فأخبرت بذلك زوجها أخبرته بتلك الرؤيا فقال لها: "لإن صدقت رؤياكِ يا سودة لأموتنّ وليتزوجك رسول الله صلى الله عليه وسلم" ضحكت سودة، نسيت آنذاك أمر تلك الرؤيا واعتبرتها أضغاث أحلامٍ ونسيت تفسير زوجها لها، إذ أنّا لها بأن تتزوج برسول الله وهي امرأةٌ مسنّةٌ بسيطة لا تملك شيئًا من مقومات الحسن والجمال وأين هي من خديجة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام الراحلة ذات الحسب والمال والجاه والجمال والتي كانت يوم خطبها النبي عليه الصلاة والسلام سيّدة قريش ومطمح أنظار وجهائها وساداتها. من حقّ سودة ومن كمال عقلها أن تستبعد هذا الزواج، الزواج غير المتكافئ حسب أعراف قريشٍ آنذاك فمكّة كلّها فوجئت بهذا الزواج لكن مقاييس النبي عليه الصلاة والسلام تختلف عن مقاييس قريش، كان يفكّر بطريقته لا بطريقة قريش فلقد كان لزواجه عليه الصلاة والسلام من سودة حِكَمٌ عديدة، من هذه الحكم جبر خاطر تلك الأرملة التي آمنت به وبدينه وهاجرت في سبيل الله وصبرت على المحن وعلى الأزمات، أفيتركها اليوم وحيدة تقاسي ظلم الأقارب والأباعد؟ أيدعها بين نارين نار أهلها الذين ما يزالون على الشرك ونار قريش التي آلت على نفسها أن تفتن كلّ مسلمٍ عن دينه وتعيده إلى الشرك والوثنية؟ هذا أولًا، أما السبب الثاني وهو الأهمّ في رأيي أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يعلّم أصحابه عن طريق القدوة الحقيقيّة أن دين الزوجة وخُلُق الزوجة هو أول ما يجب على الزوج أن يبحث عنه وأن المال والجاه والجمال هي أمور تأتي في الدرجة التالية للدين والخلق وهو أمرٌ ما فتِئ يردّده عليهم بقوله عليه الصلاة والسلام: «تُنْكَح المرأةُ لِأربع: دينها وحسبها وجمالها ومالها، فاظفر بذاتِ الدّين تَرِبتْ يداك» (صحيح البخاري[5090]). إن اجتمع في الزوجة الجمال والمال والحسب والدين والله إنها نعمةِ الزوجة، وإن لم تجتمع كان الخيار أمام الزوج إما زوجة متدينة خلوقة فقيرة وغير ذات جمال، وإما زوجة جميلة غنية ذات جمالٍ وجاه ولكنها غير ذات دين، طبعًا كفّة الزوجة المتدينة يجب أن تكون هي الكفّة الراجحة الفائزة. ها هو النبي عليه الصلاة والسلام يتزوج سودة التي لم تملك يومًا ما مواصفات مميزة لا في الجمال ولا في الجاه ولا في الذكاء، كانت امرأة كما قلنا جسيمة بسيطة حسب ماورد في كتب التراجم، ولكنّ إيمانها وإخلاصها وحبّها لله ورسوله رفعاها إلى مصافي النساء المطلوبات المرغوب بهن أكثر من ذوات الجاه والمال والجمال، الدين الحقّ رفع سودة لتصير أمًا للمؤمنين إلى يوم الدين، وفي هذا الدرس وأيُّما درس لشباب اليوم الذين يبحثون في قاموس طلباتهم أول ما يبحثون عن المرأة الجميلة والغنية والذكية قد يجعلون للدين دورًا ثانويًا في سلّم أولويّاتهم وغالبًا ما يتيهون عنه أو ينسونه، المشكلة أن عدوى هذة النظرة الماديّة انتقلت إلى شبابنا المتديّن بحجّة أن بإمكان الزوج أن يصنع دين الزوجة وأن يقلّبه كما يشاء غاب عنهم قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [القصص:56]، وغاب عنهم أيضًا أن الدين لا يباع ولا يشرى ولا يمكن للدين أن يُصنع، الدين هو التزامٌ قلبيٌّ، ضميريّ ينبُع من الداخل عن قناعةٍ ورضى. سودة الآن إذن زوجةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام انتقلت للعيش معه في نفس البيت الذي كان يضمّ من قبل خير نساء العالمين أمّ المؤمنين خديجة، كان معهما في البيت ابنتا النبي عليه الصلاة والسلام أمّ كلثوم وفاطمة بينما كانت زينب ورقيّة متزوجتين آن ذاك، طبعًا حاولت سودة جهدها أن تكون لبنات النبي عليه الصلاة والسلام أمًا حنونًا وللنبي عليه الصلاة والسلام زوجةً صالحة. كانت أمّ المؤمنين سودة كما يروى ذات روحٍ مرحة مشرقة، كانت تسخّر نفسها لإرضاء النبي عليه الصلاة والسلام وإدخال السرور على نفسه فلا تدع مناسبةً تستطيع من خلالها أن تروّح عن نفسه إلا واغتنمتها، يروى في هذا أن سودة اقتدت بالنبي عليه الصلاة والسلام يومًا في صلاةٍ نافلة فأطال، فلمّا انتهى من صلاته قالت سودة ضاحكةً: "يارسول الله صليّت خلفك فركعت بي حتى أمسكت أنفي مخافة أن يقطُرَ الدم" فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام ضاحكًا من قولها، كان يسعدها أن تراه يضحك من مشيتها كانت ثقيلة الجسم تترنّح وهي تمشي يمنةً ويسرة ويسعها أيضًا أن يأنسَ إلى خفّة روحها ومرحها وطيبة قلبها. كانت رضي الله عنها إلى جانب بساطتها و روحها المرحة كريمة جوادة لا تضيّع فرصةً تستطيع فيها أن تتصدّق إلا وفعلت، يروى أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه بعث إليها بكيسٍ مملوءٍ دراهم ففرّقتها جميعها في سبيل الله تعالى. هاجرت سودة إلى المدينة بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إليها فقد أرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة إلى مكّة ليأتيه بآلِ بيته زوجته سودة وابنتيه أمّ كلثوم وفاطمة، لم يطل المقام بأم المؤمنين سودة في المدينة حتى وفدت على بيت النبي زوجةٌ أخرى تعرفون من هي؟ أمّ المؤمنين عائشة بالتأكيد لم تمتعض سودة من هذا الزواج ولم يظهر عليها أي شعورٍ بالغيرة وحتى عندما وفدت إلى بيوت النبي زوجاتٌ أخريات لم تضِق سودة ذرعًا بهذا ويبدو أنها كانت تدرك في قرارة نفسها الحكمة من زواج النبي عليه الصلاة والسلام بها وتدرك أيضًا أن ليس لها في قلبه كبير نصيبٍ من المحبّة ولكن كان يكفيها أن زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفيها أيضًا أنه اختارها من بين غيرها من النساء ويكفيها أنه يعاملها بالعدل والحسنى والمرحمة كما يعامل باقي زوجاته فيقسم لها يومها وليلتها تمامًا كغيرها من زوجاته كما يقسم لها في النّفقة مثل باقي زوجاته، كانت سودة راضيةً بهذا تمام الرضى لكن لما تقدّمت بها السن ولم تعد قادرة على القيام بالمهام الزوجيّة شعرت بنفسها أنها تُثقل على النبي عليه الصلاة والسلام في قسمه لها كما يقسم لغيرها من ضرائرها في المبيت والنفقة فآثرت أن تهب ليلتها لضرّتها عائشة، آثرت أن تفعل هذا راضيةً مختارة تبتغي بذلك رضاء الله تعالى كما ورد في كتب السنّة الصّحيحة وفي روايةٍ أنها أسنّت وخافت أن يفارقها رسول الله فقالت: "إني أهب ليلتي لعائشة" وأن فيها نزل قول الله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128]، ليس في هذه الروايات مايدلّ على أن النبي الصلاة والسلام طلّقها -أي طلّق سودة- أو حتى فكّر في طلاق سودة وحتى الرواية التي تذكر أن سودة خشيت أن يفارقها النبي عليه الصلاة والسلام ويطلّقها ليس فيها أي دليلٍ على أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد ذلك حقًّا، إنما هو خوفٌ داخليٌّ كان يراودها أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان دائم العدل معها دائم الإحسان لها دائم التوجيه والتوصية بالنساء بشكلٍ عام فيقول: «استوصوا بالنساء خيرًا» (صحيح مسلم [1468]). وفي حياته صلى الله عليه وسلم مع السيّدة سودة تجسيدٌ واقعي لحديثه الشريف «لا يفرك -أي لا يُبغض- مؤمنٌ مؤمنة إن كرِهَ منها خُلُقاً رضي منها آخر» (صحيح مسلم [1469])، بعض المؤرّخين وكُتّاب السيرة حال لهم أن يستندوا عند الحديث عن سودة على رواياتٍ ضعيفة، تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى سودة يخبرها بطلاقها وأنها لمّا أتاها الخبر جلست على طريقه إلى بيت عائشة فلمّا رأته قالت: "أنشدك بالله الذي أنزل عليك الكتاب واصطفاك على خلقه لِمَ طلّقتني ألِمَوجدةٍ وجدتها علي ألِغضبٍ منك علي؟" فقال: «لا»، فقالت: "إنّي أنشدك إلّا ما راجعتني وقد كبرت ولا حاجة لي في الرجال ّولكني أحبّ أن أبعث في نسائك يوم القيامة"، وتذكر هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم راجعها وأنها عند ذلك قالت له: "إني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة". هذه الرواية وغير هذه الروايات التي تشابه هذه الرواية أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد طلاق سودة لكبر سنّها، لا تتناسب مع أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ولا تتناسب مع الحكمة التي كانت هي الدافع من زواجه منها، والتي تتلخّص في جبر خاطرها بسبب وفاة زوجها وفقدانها المعيل من أهلها الذين كانوا ما يزالون على الشرك آن ذاك، أفيعقل أن يكسر خاطرها عند كبر سنها وهي التي لم يصدر منها في حقه عليه الصلاة والسلام إلّا خيرًا، هذا فضلاُ عن أن في هذه الروايات جميعها ضعفًا لا تقوى على معارضة الروايات الأولى الصحيحة التي ذكرتها والتي تؤكد أن السيدة سودة وهبت ليلتها لعائشة ابتغاء المزيد من إسعاد النبي عليه الصلاة والسلام وإدخال السرور على فؤاده الشريف. وقد ظلّت عائشة رضي الله عنها تحفظ لسودة هذا المعروف في حياتها كلّها، كان بين عائشة وبين سودة محبّةٌ وملاطفةٌ ووحدة حال، ويروى في هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان عند سودة في بيتها فجاءت عائشة تزورها وأتت معها بأكلةٍ طبختها بيدها تسمى الخريزة، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم منها أمّا سودة فلم تشتهي أن تأكل منها فسألتها عائشة أن تأكل منها فأبت سودة، فقالت عائشة لتأكلين أو لأُلَطّخنّ وجهكِ، فأصرّت سودة على موقفها، ووضعت عائشة يدها في الخريزة وطَلَت وجه سودة وهي تضحك، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام وأمسك بيد سودة وأدخلها في القصعة وهو يقول إلطخي وجهها كما لطخت وجهكِ ففعلت سودة. وكان لأمّ المؤمنين سودة فضلٌ في توضيح حكم الحجاب الخاص بنساء النبي عليه الصلاة والسلام والوارد في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الأحزاب:53]، وذلك أنها خرجت يومًا بعد ما ضُرب الحجاب على نساء النبي لحاجةٍ تريد قضاءها، وكانت كما قلنا امرأةً جسيمةً لاتخفى على من كان يعرفها قبل الحجاب حتى وهي محتجبةٌ بغطاءٍ على وجهها وجسمها، فرآها عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال: "يا سودة أما والله لا تخفين علينا فانظري كيف تخرجين"، طبعًا هدف عمر من ذلك أن تزيد في تستّرها واحتجابها فانكفأت أم المؤمنين سودة راجعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو عند عائشة فدخلت عليه وهي تقول: "يا رسول الله إنّي خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا"، فما لبث أن جاءه جبريل عليه السلام وهو مايزال في مجلسه ذلك فلمّا ذهب جبريل قال لسودة إنه قد أُذِن لكُن -أي يا نساء النبي- أن تخرُجن لحاجتكُن. بقي علينا أن نقول إن أم المؤمنين سودة لم تكن من العالمات الفقيهات المميزات فقد روت عن النبي عليه الصلاة والسلام خمسة أحاديثٍ فقط، ومع هذا يمكن أن نقول على الرغم من أنها لم تكن من العالمات الحافظات فإنه يكفيها فخرًا أن حياتها وسيرتها كانت غنيّةً بالإخلاص والتقوى والصبر والتواضع وحبّ الله وحبّ رسوله. فارقت أم المؤمنين سودة الحياة وكلّها أملٌ ورجاءٌ أن تلتقي بالحبيب المصطفى بالجنّة وأن تكون زوجةً من زوجاته في الآخرة كما كانت زوجةً من زوجاته في الدنيا، وقد جرى خلافٌ بين العلماء في زمن وفاتها منهم من ذكر أنها توفيت في آخر خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وبذلك تكون أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لُحوقًا به بينما ذكر آخرون أنها توفّيت سنة أربع وخمسون هجريّة في خلافة معاوية بن أبي سفيان. فسلامٌ لكِ منّا يا أمّنا وتحيّةٌ عطرة مضمّخةٌ بالحبّ والوفاء على أمل اللقاء بكِ في الجنّة بإذن الله تعالى، انتهى حديثنا عن الصحابيّة الجليلة والأمّ الكريمة سودة بنت زمعة رضي الله عنها زوجة النبي عليه الصلاة والسلام.





رد مع اقتباس
قديم 04-02-2019, 08:22 AM   #2


إأحســــآااس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Jun 2016
 أخر زيارة : اليوم (04:12 PM)
 المشاركات : 9,328 [ + ]
 التقييم :  1326
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
كنت بحاجة لـ حُب اقاتل من اجله
لا لـ يقتُلني !
لوني المفضل : Gray
افتراضي



سلمتي ياسمين
وجزيتي كل الخير

لك مني ... كل التقدير


 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:43 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Hosted By IQ Hosting
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
new notificatio by 9adq_ala7sas