إهداءات بحور الأحساس




● ● { المصطفى رسول الرحمة وصحابته•«|| يختص بسيرة الرسول عليه السلام وصحابته

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 04-01-2019, 08:22 PM
ياسمين غير متواجد حالياً
    Female
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 210
 تاريخ التسجيل : Dec 2017
 فترة الأقامة : 487 يوم
 أخر زيارة : 04-04-2019 (08:33 PM)
 المشاركات : 8,000 [ + ]
 التقييم : 544
 معدل التقييم : ياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of lightياسمين is a glorious beacon of light
بيانات اضافيه [ + ]
rt4 صحابيات : حفصة بنت عمر



صحابيات : حفصة بنت عمر

من هي تلك الزوجة التي استحقّت أن ينزل جبريل لتزكيتها بأمرٍ من ربّ العزّة تبارك وتعالى ويشهد لها شهادة تظلّ على مدى الأيام مفخرة الدنيا وسعادة الآخرة، من تلكُم الصوّامة القوامة التي حازت الشرف في أن تكون زوجةً للنبي عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة. حديثنا اليوم سيكون عن زوجةٍ من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام وصفها جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: إنّها صوّامةٌ قوامة وإنّها زوجتك في الجنة. من هي تلك الزوجة التي استحقّت أن ينزل جبريل لتزكيتها بأمرٍ من ربّ العزّة تبارك وتعالى ويشهد لها شهادة تظلّ على مدى الأيام مفخرة الدنيا وسعادة الآخرة، من تلك الصوّامة القوامة التي حازت الشرف في أن تكون زوجةً للنبي عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة؟!، لعلّكم عرفتم من هي إنها أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما، وُلِدت قبل البعثة بخمس سنوات نشأت في بيت يعج بالإيمان والتقى والصلاح والدها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمها الصحابية زينب بنت مصعون ابن الصحابي الجليل عثمان بن مصعون رضي الله عنهما. تزوجت السيدة حفصة من الصحابي خُنَيس بن حذافة السهمي أحد السابقين إلى الإسلام وأحد المهاجرين إلى الحبشة وقد عاد مع من عادوا عندما سمع الخبر المزعوم عن إسلام قريش، كان زواج خنيس من حفصة بعد عودته من الحبشة، مكثت حفصة عند خنيس سنوات عديدة وهاجرت معه إلى المدينة المنورة لما أذن الله ورسوله بالهجرة. مع أن حفصة لم ترزق بولدٍ من زوجها خنيس إلّا أنها كانت صابرةً محتسبةً فالله في خلقه شؤون {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} [البقرة:216]، عكفت حفصة على تعلم العلم والأدب فتعلمت القراءة والكتابة على يد الصحابية الجليلة شفاء العدوية وكانت حفصة إحدى فصيحات قريش وبليغاتها. في سنة ثلاث للهجرة وبالتحديد بعد غزوة أحد على الأرجح وقيل بعد غزوة بدر استشهد زوجها خنيس إثر جراحات أصابته في تلك الغزوة وعانت حفصة مرارة الترمّل وفقد الحبيب الأنيس، طبعًا تأثر عمر بن الخطّاب والدها لمّا رآى ابنته الشابة ذات العشرين عامًا تعاني من الوحدة والترمّل، أحزنه أن يراها باكية متألّمة فبدى له بعد تفكيرٍ طويل أن يختار لها زوجًا يؤنس وحدتها ويزيل وحشتها. كان ذلك طبعًا بعد فترةٍ بسيطةٍ من انتهاء عدّتها، وقع اختياره أول ما وقع على صديقه وأخيه في الله أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه فإنّ أبا بكر في رزانة كهولته وسماحة خُلُقه كفيل بأن يتحمل من حفصة ما ورثته عن أبيها من شدة الغيرة وصرامة الطبع. فعلًا سعى الوالد الشغوف عمر إلى صديقه أبي بكر يعرض عليه الزواج من حفصة، استمع أبو بكرٍ رضي الله عنه إلى عمر في عطفٍ ومواساة ولكنّه لم يُجبه بشيء بخصوص زواجه من حفصة، أحسّ عمر بشرخٍ في كرامته أمام ردّة فعل أبي بكر، أيعقلُ أن يردّه أبو بكر خائبًا وهو الّذي جرّأ ما جرّأه على أن يعرض ابنته على أبو بكر إلا أمران: أولهما أن ابنته شابة مؤمنة تملك مقومات الزوجه الناجحة، والأمر الثاني أنه يحبّ أبا بكرٍ ويرغب في مصاهرته، ورغم استياء عمر من أبي بكر لكنه استطاع أن يهدّئ من غضب نفسه حين تذكّر قول الله تعالى: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء:19]، علّل عمر نفسه بأنّ أبا بكرٍ ربما لا يصلح لها زوجًا والخير فيما يختاره الله فلا بأس أن يبحث لها عن زوجٍ آخر، فكّر مليًّا واهتدى إلى زوجٍ ممتاز إنه عثمان بن عفّان رضي الله عنه فقد تُوفيّت أيضًا زوجته رُقيّة بنت النبي عليه الصلاة والسلام إثر حصبةٍ ألمّت بها، إذن لا شكّ أن ألم عثمان هو نفس ألم ابنته وعلى الأرجح أيضًا أن عثمان سوف يرحبّ بهذا الزواج خصوصًا وأنّه يعلم كم يحبّه عثمان ويحترمه، تقدّم الوالد العطوف عمر من عثمان وعرض عليه الأمر ولكنّ عثمان استمهله أيامًا جاءه بعدها وهو يقول: لاأريد أن أتزوج اليوم. شقّ على عمر أن يلقاه كلّ من أبي بكرٍ وعثمان بهذا الرد القاسي وهو صاحبهما ورفيقهما وهاجت به مشاعر الغضب وتألبّت عليه نفسه الجريحة، أمثل حفصة في شبابها وتقواها وشرفها من يُرْفَض وممّن؟ من أبي بكر وعثمان صاحبي الرسول عليه الصلاة والسلام وأولى المسلمين بأن يعرفا قدر عمر وأحقّ الصحابة بأن لا يردّا مثل مصاهرته أبدًا. قرّر عمر رضي الله عنه أن يشكوَ أمره للنبي عليه الصلاة والسلام وهناك بين يدي الرسول ألقى عمر بكلّ ما أزعجه وأقض مضجعه، ابتسم النبي الكريم وهو يقول: «يتزوج حفصة من هو خيرٌ من عثمان ويتزوج عثمان من هي خيرٌ من حفصة»، ذُهِل عمر أو كاد يذهل كأنّه فهم أن النبي صلى الله عليه وسلّم يريد أن يخطب حفصة، المسألة لا تُفهم إلا هكذا، نعم فرسول الله خيرٌ من عثمان وأمّ كلثوم بنت النبي خيرٌ من حفصة، أحسّ عمر بروحه وكرامته ترتدّ إليه من جديد وهروَل إلى ابنته حفصة مبشّرًا بالخاطب الجديد، لقيه أبو بكر وهو في طريقه إلى حفصة وأدرك من سرور وجهه ولهفة مشيته أنّ النبي عليه الصلاة والسلام فاتحه بموضوع الخطبة فمدّ يده إلى عمر وهو يقول: "لا تجد عليّ يا عمر -أي لا تغضب- فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر حفصة ولم أكن لأفشي سرّ رسول الله ولو تركها لتزوجتها" وكذلك قال له عثمان هذا لا يهم عمر الآن فرسول الله صهرهُ زوجُ ابنته فيا للشرف ويا للكرامة. وتمّ الزواج المبارك بين النبي صلى الله عليه وسلّم وبين حفصة بنت عمر على صداقٍ قدره بساط ووسادتان وكساء يفترشانه في الصيف والشتاء ورداءان أخضران. لنا هنا وقفةُ تأمّل نتحدّث فيها عن أمرين أوّل هذين الأمرين عرضُ عمر رضي الله عنه ابنته على من رضي خُلُقه ودينه وتوسّم فيه الخير والصلاح والحفظ والصون، في هذا السلوك العُمَريّ الرفيع إشارةٌ جميلةٌ اليوم إلى كلّ والد أن ليس عليك حرج في أن تعرض ابنتك على من ترتضي دينه وخُلُقه وأمانته ولا عيب ولا عار ولا مخجلة فلك في عمر بن الخطّاب أُسوةٌ حسنة بل لك أُسوةٌ حسنةٌ في نبيّ الله شعيب عليه السلام حين قال لموسى عليه السلام: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص:27]، فليس في هذا ما يقلّل من شأنك أيها الوالد أو من شأن ابنتك وليس فيه مايهين أو يَشين. الذي دعاني إلى هذا أنّ هناك اليوم من الآباء من يستهجن هذا ويعتبره عيبًا وعارًا ولو أدّى الامتناع منه إلى عنوسة ابنته وإلى حرمانها من الزواج، الحقيقة أنّ عرض الوالد لابنته على الخطّاب يجب أن تتوفّر فيه بعض الشروط حتّى لا يؤدّي إلى عكس المطلوب، أول هذه الشروط أن يكون الرجل المعروض عليه من أهل التقى والصلاح والعقل والحكمة وممّن يقّدرون للوالد صنيعه ولا يتاجرون بهذا العرض، الأهم من هذا أن يكون مُراد الوالد من هذا العرض طلب العفّة بالحلال لا طلب الجاه أو المال لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من يستعفف يعفّه الله» (صحيح ابن حبان [3399]). النقطة الثانية التي أحبّ أن أتوقف عندها هو ذاك المهر البسيط الذي أمهره النبي صلى الله عليه وسلم لزوجته حفصة بنت عمر والذي سيمهر مثيله لزوجته أم سلمة هند بنت أبي أميّة، الواقع هو أكثر مهرٍ أمهره النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه كان أربعين مثقالًا ذهبًا ومايساوي أربعمئة وثمانون درهمًا فضّة في ذلك الوقت، الأربعون مثقالًا ذهبًا تساوي اليوم بمقاييس اليوم وموازين اليوم مئة وسبعون غرام، إذن هذا كان أكثر مهر أمهره النبي عليه الصلاة والسلام لزوجاته أو قبله مهرًا لبناته. هذا يدلّنا على أهميّة التيسير بالمُهور ذلك أنّ القصد من تشريع المهر هو أن يُأخذ الأمر بالزواج على محمل الجِد ويكون المهر من الزوج عربون صدق تدلّ على رغبته في الاقتران ولذلك سمّاه الشّارع نِحلَة أي عطيّة وهِبة يقول تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء:4]، لكن ما يرتبط في أذهان الناس اليوم الكثير من الناس حول أهمية المهر وأن التيسير بالمهر يجرّ الزوج إلى أن يتهاون بالزوجة ولذلك نجد من من يُغالي من أولياء الأمور في مهورِ بناتِهنّ ومن منهنّ، وأن ذلك دليلٌ على أهميّة ابنتهم وأنه يحفظ لها كرامتها وهيبتها واحترامها في عيني زوجها، الحقيقة أن هذا مفهومٌ خاطئ. ذكر لي أحد معارفي ما جرى معه حين ذهب خاطبًا إحدى الفتيات يقول أثناء التشاور في قضية المهر قالت أخت العروس: إن أختي تساوي أكثر من المبلغ المذكور أي تساوي كذا وكذا طبعًا مبلغ المهر فأجابتها والدة العريس: إذا كانت أختكِ تساوي هذا المبلغ فإن ابني لا يساويه مال الدنيا كله. يُخيّل لسامع هذا الكلام أن الحديث يدور حول شقّة سكنية أو سيارة أو أرض زراعية لا يخطر في باله أبدًا، أن هذا التقييم المادي يخصّ العريس والعروس، للأسف هذه النظرة الماديّة المقزّزة المشوّهة لمفهوم المهر تقف في كثير الأحيان عائقًا أمام زواج الشباب بل والشابّات أيضًا، لذلك فإنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «خير الصَداق أيسره» (صحيح الجامع [3279])، ولذلك أيضًا نراه يمهر زوجتيه حفصة وأم سلَمة مهرًا متواضعًا ليرشد إلى أن المهر ليس عمليّة بيع أو شراء وأنه لا علاقة له بمكانة المرأة الاجتماعية والماديّة بل الأمر يعود حالة الزوج وقدرته وقت الزواج. نعود إلى حفصة أمّ المؤمنين حفصة وقد أصبحت أمًّا للمؤمنين وزفّت إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام في السنة الثالثة من الهجرة وفي بيت النبي عليه الصلاة والسلام آنذاك عائشة وسودة رضي الله عنهما فكانت السيدة حفصة ثالثةُ النساء في ترتيب دخولها على بيت النبي عليه الصلاة والسلام، من الممكن أن نتصور أم المؤمنين حفصة وهي تدخل بيت النبي عليه الصلاة والسلام لأول مرّة و تطء قدمها عتبة الباب، لاشكّ أنّ قلبها كاد يطير فرحًا وطربًا، كيف لا!! وقد حظيت بخير البشر محمدٍ عليه الصلاة والسلام. كانت حفصة تحتل مكانة عالية في قلب زوجها النبي، تقول في هذا أم المؤمنين عائشة عن حفصة هي التي كانت تساميني -أي تباريني- من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، نعم ولم لا تساميها وهي ابنة أبوها عمر بن الخطاب وهي من هي في الذكاء وقوة الشخصية، عائشة نفسها كثيرًا ما تصف حفصة بأنها ابنة أبيها. بعد ذلك وفدت أم المؤمنين حفصة على بيت النبي عليه الصلاة والسلام وهي مملوءةٌ شوقًا وطموحًا ورغبة في تعلم كل ما تستطيعه من علوم الدين كان النبي صلى الله عليه وسلم يسرّه أن يرى من حفصة هذا الاهتمام ولذلك نراه يعهد إلى شفاء العدوية أن تكمل تعليمها وذكرنا أنها كانت قد بدأت في تعليمها قبل أن تتزوج. ربّما نستطيع هنا أن نتوقف قليلًا لِنلِجَ إلى قلب بيت النبي صلى الله عليه وسلم فنرى كيف كان التعامل بين هذين الزوجين الرسول الكريم وزوجته الشابّة حفصة، نترك هنا الحديث لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه ليخبرنا عن ذلك قائلاً: "كنّا معاشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قومٌ تغلبهم نساؤهم". يقول عمر: "فطفق نساؤنا يأخذن من نساء الأنصار فسخطّتُ على امرأتي يومًا فراجعتني فأنكرتُ أن تراجعني فقالت: لِم تنكر أن أراجعك فوَاللهِ إنّ أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُراجِعنه وإن إحداهنّ لتهجره اليوم حتى الّليل". يقول عمر: "فأفزعني ذلك فقلت: خابت من فعلت ذلك مَنهُنّ". وشدّ عمر عليه ثيابه وذهب إلى ابنته حفصة فسألها: "يا حفصة أتغضب إحداكنّ من رسول الله وتهجرهُ اليوم حتى الّليل؟" فقالت: "نعم". إذن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ومنهنّ حفصة كُنّ يجادلنهُ ويناقشنهُ في أمور معيشتهنّ اليومية وحياتهنّ الزوجية، طبعًا أمّا في أمور الوحي والتشريع فكُنّ يُدركنَ أنه نبيّهنّ ورسولهنّ وعليهنّ السمع والطاعة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحمّل من نساءه ذلك طالما أنّه في حدود الشرع، لم يُروى عنه أنه قال لهنّ أتجادلنني وأنا رسول الله أو أنا الزوج القوّام الآمر الناهي، نعم كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع زوجاته برفقٍ ولينٍ وحلم، آخذًا بعين الاعتبار طبيعة الأنثى ذات العاطفة الجيّاشة. الحقيقة أن طريقة تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع زوجاته هي قدوةٌ لجميع الأزواج خصوصًا الذين يفهمون قِوامة الرجل على المرأة مفهومًا خاطئًا ويستعملونها استعمالًا مُتعسّفًا ولا يقبلون من زوجاتهم أيّ نقاشٍ أو جدال بحجّة أنّهم الرجال وأن على النساء السمع والطاعة، قوامة النبي صلى الله عليه وسلم على زوجاته بوصفه زوجًا، ونبيًا مشرعًا من جهةٍ أخرى تبين لنا أن مقام القوامة هو مقام إشراف ومقام رعاية ومقام اهتمام وإنفاق وليس مقام تعسّف واستبداد وتسلّط ومصادرة لرأي الزوجة وفرض لرأي الزوج. ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان راضيًا بمجادلة زوجاته ودلالهنّ عليه في ذلك إلى أن يحلّ الّليل، إلّا أنّ عمر رضي الله عنه كان ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمنظار الرسول النبي لا بمنظار الزوج الرسول، استهجن ذلك فهرع إلى ابنته حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم مستفسرًا عمّا أخبرته به والدتها فلمّا تأكّد من ذلك نصحها وزجرها قائلًا: "قد خبتِ وخسرتِ أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكين، لا تستكثري رسول الله ولا تراجعيه ولا تهجريه وسليني مابدا لكِ ولا يغرّنّكِ أن جارتكِ -أي عائشة- كانت جارتك هي أوضأُ منكِ وأحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ولكن هل استجابت حفصة لنصائح والدها عمر، الأحداث التي جرت فيما بعد تؤكّد على مجادلة حفصة للرسول صلى عليه وسلم وعلى انسياقها وراء طبيعتها البشريّة ذات الغيرة الشديدة. دخلت حفصة بيت النّبي عليه الصّلاة والسّلام ولديه زوجتان سودة وعائشة، لم تكن أمّ المؤمنين سودة بنت زمعة بالتي تثير غيرة حفصة لأنّها لا تمتلك مقومات المنافسة حسب رأي حفصة، أمّا أمّ المؤمنين عائشة وهي مَن هي في قلب النّبي صلّى الله عليه وسلّم أدركت حفصة بذكائها وحنكتها أنها غير قادرةٍ على مجاراتها لذلك راحت تعمل على استمالة قلبها لما تعلمه من حبّ النبي صلى الله عليه وسلم لها واستطاعت فعلًا أن تستميلّ من عائشة بذور الغيرة منها بل وما إن مضى زمنٌ قصير حتى أصبحت الضرّتان عائشة وحفصة صديقتين حميمتين. ولكنّ انضمام زوجاتٍ أخريات إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان يثير غيرة أمّ المؤمنين حفصة وكانت تنساق في التعامل معهنّ لِجِبلّتها الغيورة التي تريد أن تستأثر بحب الزوج الرسول، من هذا مايروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمرّ على زوجاته جميعِهنّ قبل أن يبيت عند الّتي يكون دورها في تلك الّليلة، وكان إذا مرّ على زينب بنت جحش أطال المُكوث عندها وكان يشرب عندها عسلًا فأخذت الغيرة حفصة وعائشة فاتّفقتا أيّهما دخل عليها أولًا أن تقول له أكلتَ مغافير -والمغافير هو نبات ذو رائحة كريهة- فدخل على حفصة أولاً فسألته: "أكلت مغافير؟" فقال: «والله ما أكلت مغافير ولكنّي شربت عسلًا عند زينب». فقالت: "لعلّ ذلك النحل قد رعى العرفط". فقال النبي صلى الله عليه وسلم لن أشرب بعدها عسلًا عند زينب، وكان عليه الصلاة والسلام يكره أن تُشمّ منه رائحةٌ كريهة، هرعت حفصة لتخبر عائشة بذلك وهي فرحةٌ مسرورةٌ بنجاح خطتها. من هذا أيضًا ما يروى أن حفصة ذهبت يومًا في زيارةٍ إلى بيت أبيها فجاءت ماريّة القبطيّة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ماريّة هذه لم تكن زوجةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام بل جارية أهداها إليه المُقَوقِس ملك مصر اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسهِ ولذلك فإنها لم تكن تقيم في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم المطلّة على المسجد بل كانت تقيم في منزل لأحد الصحابة قريبًا من المسجد فلمّا جاءت مارية إلى النبي صلى الله عليه وسلم أدخلها بيت حفصة وحفصةُ كما ذكرنا غائبةٌ عن البيت، عندما عادت أمّ المؤمنين حفصة إلى بيتها وجدت النبي عليه الصلاة والسلام مع مارية في بيتها فأغاظها هذا وأخذتها الغيرة وظلّت تبكي ذلك اليوم مقهورةً فرقّ قلب النبي صلى الله عليه وسلم وحاول استرضاءها وأسَرَّ لها أنّه حرّم ماريةَ على نفسه وأقسم لها على ذلك، عندها طاب عيش حفصة وهنأ قلبها وزالت غيرتها لكنّ النبي صلى الله عليه وسلم طلب من حفصة أن تكتم السرّ الذي استودَعَهُ إيّاها في تحريمه مارية على نفسه، ولكن نفس حفصة الغيّرة والّتي تحب أن تُظهر لضرائرها كم يحبّها زوجها ويسارع إلى هواها أبت أن تكتم هذا السرّ، فكشفت عنه لضرّتها عائشة وهنا نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بآياتٍ من القرآن الكريم يعاتبه فيها ربّه على تحريم مارية على نفسه استرضاءً لزوجته حفصة، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم:1]، وأعلم الوحي النبي إفشاء حفصة للسرّ وتظاهر حفصة وعائشة على أمره فغضب عليه الصلاة والسلام غضبًا شديدًا وكان لا يغضبُ إلّا إذا انتُهِكت محارم الله. منشأُ غضبه هذا سببان: أولهما: أنه اعتبر حفصة بغيرتها الشديدة أدّت به إلى تحريم مارية على نفسه في الوقت الذي أحلّها الله له، وإرضاء طرف لا ينبغي أن يكون على حساب أطرافٍ أخرى وقد أوجد الله تعالى لنبيّهِ حلّاً وهو التكفير عن يمينه التي حلفها على تحريم مارية على نفسه والرجوع عن هذا اليمين، أمّا السبب الثاني: الذي أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إفشاءُ حفصة للسّر وإفشاء السر هذا يؤذي طرفًا ثالثًا لا ذنب له، وهذا الطرف هو مارية ففي إفشاء هذا السر جرحٌ لكرامتها وامتهانٌ لها وهو أمرٌ لا يحبّه الله ولا رسوله وبالتالي فإنّ النبي عليه الصلاة والسلام اعتبر هذه الحادثة أمرًا يخرج عن إطار الغيرة العاديّة إلى غيرةٍ محظورةٍ تُنْتَهك فيها حُرمات الله، هنا لا بدّ من العلاج لايمكن أن يمرّ هذا الموضوع بيُسرٍ وسهولةٍ كما مرّت غيره من حوادث الغيرة المعتادة الطبيعيّة خصوصًا أن لِحفصة سوابق في هذا منها قصّة العسل الّتي ذكرناها. والسؤال هنا ماذا فعل الزوج الرقيق الّليّن السّمِح مع زوجته عندما زادت الغيرة عن حدّها الطبيعي المعتاد وبلغ السيل الذُّبى؟ الجواب مُخْتَلَفٌ فيه هناك روايات أخرجها أبو داوود والنسائي وابن ماجة وابن سعد وأيضًا أخرجها الحاكم بأسانيد بعضها ضعيفة وبعضها حسن هذه الروايات تفيد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم طلّق حفصة طلقةً واحدةً وأنّه راجعها بعد ذلك، وفي بعض هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ بطلاقها فنزل عليه جبريل من السماء يقول له: (أرجِعْ حفصة فإنّها صوّامةٌ قوّامة، وإنّها زوجتك في الجنّة). طلاق النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة لا نجده مذكورًا في صحيحَيْ البخاري ومسلم رغم أن البخاري ومسلم أوردا قصة العسل وقصة مارية القبطية، بل إن الأحاديث المَرويّة في صحيح البخاري وملسم في قصة اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه عندما اجتمعن عليه في الغيرة وطالبنه بزيادة النفقة فاعتزلهُنّ شهرًا كاملًا ثمّ عاد إليهنّ بعد مُضي هذا الشهر، هذه الأحاديث تُصرّح بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يُطلّق أيًّا من زوجاته رغم أنّه شاع بين الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم طلّقهن. نقتبس من هذه المرويّات ما يرويه البخاري ومسلم من حديث عمر رضي الله عنه أنّه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم في حادثة اعتزاله لنسائه سأله: "أطلّقت نسائك يا رسول الله؟" قال: «لا». فسأله عمر: "أفأنزل فأخبر المسلمين أنّك لم تطلّق نسائك؟" قال: «نعم إن شئت». عند ذلك قام عمر وعلى باب المسجد ونادى بأعلى صوته لم يطلّق النبي نسائه، يرى بعض العلماء أن هذه الأحاديث الصحيحة لا تنفي وقوع الطلاق في غير تلك الحادثة أي في حادثة اعتزال نسائه كلّهم وأنّ حادثة طلاق حفصة كانت قبل اعتزال النّبي عليه الصلاة والسلام لِنسائه. وأنا وإن كنتُ أميل إلى أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم لم يطلق حفصة طلقة رجعيّة لكنّني سأتماشى مع الروايات الّتي تذكر أنه طلّقها وسأناقشها بناءً على ذلك. أقول إنّ طلاق حفصة على فرض حدوثه يدل بشريّة النبي صلى الله عليه وسلّم في حياته العائليّة الخاصّة وعلى أنّ لكل مرضٍ دواء ولكلّ خطأٍ عقوبة، في هذه الحادثة وإن صحّ حدوثها حِكمٌ لكلّ زوجين ففيها حثٌّ للزوج على تحمّل أخطاء زوجته ومحاولة معالجتها بعيدًا عن مظلّةِ الطّلاق لأنّ الطّلاق أبغض الحلال عند الله، فيها أيضًا دليلٌ على أنّ العلاقة بين الزوجين لا يستلزم على أن يكون أحد الطّرفين أو كلا الطرفين سيّئًا ظالمًا بل قد يكون مردّ ذلك إلى اختلاف الطبائع أو عدم الانتباه أو سوء التقدير أو الانجراف وراء بعض المشاعر أو ما إلى ذلك من أمور فأمّ المؤمنين حفصة هي بشهادة السماء قوّامةٌ صوّامة مقبولةٌ عند الله ولكنّه كان في طبعها شدّةٌ وغيرة وهذه الشدّة وهذه الغيرة سبّبت لها ولزوجها النّبي عليه الصّلاة والسّلام بعض المتاعب في بعض الأحيان، وفي هذا إرشادٌ لكل زوجين صالحَين تتخلّلُ حياتهما منغّصاتٌ ومعكّرات أن يصبرا وأن يتحمّلا وأن يحاول كل منهما أن يقترب من الآخر وأن يغيّر من طبائعه قدْرَ الإمكان ففي ذلك إن شاء الله إصلاح الحال ودوام العِشْرة واستمرار العِشْرة. النّبي عليه الصّلاة والسّلام يؤكّد على هذه المعاني حين يقول: «لا يَفْرك أي لا يبغض مؤمنٌ مؤمنة إن كرِهَ منها خُلُقًا رضي آخر» (غاية المرام [247]). نعود إلى أمّ المسلمين حفصة رضي الله عنها بعد هذه الحادثة المفصليّة في حياتها فنراها وقد استفادت منها فجاهدت غيرتها وليّنت من طبعها، لم يروى عنها منذ ذلك الحين أنّها تسبّبت للنّبي صلى الله عليه وسلّم بما يكرهه أو بما يزعجه، وبعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلّم غدت أمّ المؤمنين حفصة مرجعًا هامًّا عن حياته فكان الصحابة يسألونها ويستفتونها ويسمعون منها الأحاديث الشّريفة، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم سبعين حديثًا، توفّيت أمّ المؤمنين السيّدة حفصة بننت عمر رضي الله عنها في عهد معاوية بن أبي سفيان سنة خمسة وأربعون وقيل سنة واحد وأربعون هجريّة، شيّعتها المدينة إلى مثواها في البقيع مع أمّهات المؤمنين رضي الله عنها وعنهنّ. رحم الله ابنة أبيها رحم الله الصوّامة القوّامة رحم الله زوجة النّبي عليه الصّلاة والسّلام في الجنّة، نستودعها الله على أمل اللقاء بها في جنّة الخلد ومأوى الكرام.





رد مع اقتباس
قديم 04-01-2019, 11:26 PM   #2



همس القلوب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 55
 تاريخ التسجيل :  Nov 2016
 أخر زيارة : اليوم (10:03 PM)
 المشاركات : 3,450 [ + ]
 التقييم :  274
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Aliceblue
افتراضي



جزاك الله خيرا


 

رد مع اقتباس
قديم 04-02-2019, 08:23 AM   #3


إأحســــآااس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Jun 2016
 أخر زيارة : اليوم (04:12 PM)
 المشاركات : 9,328 [ + ]
 التقييم :  1326
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
كنت بحاجة لـ حُب اقاتل من اجله
لا لـ يقتُلني !
لوني المفضل : Gray
افتراضي



سلمتي ياسمين
وجزيتي كل الخير
لك مني ... كل التقدير


 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:07 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Hosted By IQ Hosting
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
new notificatio by 9adq_ala7sas